محمد طاهر الكردي

271

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

يحار الناظرون دونه ، فختم به قلبي فامتلأ نورا ، وذلك نور النبوة والحكمة ، ثم أعاده مكانه ، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا . ثم قال الثالث لصاحبه : تنح ، فتنحى عني ، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتئم ذلك الشق بإذن اللّه ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ، ثم قال للأول الذي شق بطني : زنه بعشرة من أمته ، فوزنوني بهم فرجحتهم ، ثم قال : زنه بمائة من أمته ، فوزنوني بهم فرجحتهم . ثم قال : زنه بألف من أمته ، فوزنوني بهم فرجحتهم . فقال : دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم . قال : ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني . ثم قالوا : يا حبيب لا ترع ، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك . قال : فبينا نحن كذلك إذا أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم ، وإذا أمي وهي ظئر أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وتقول : يا ضعيفاه ! فانكبوا عليّ فقبلوا رأسي وما بين عيني . فقالوا : حبذا أنت من ضعيف . ثم قالت ظئري : يا وحيداه ، فانكبو عليّ فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ، ثم قالوا : حبذا أنت من وحيد . وما أنت بوحيد إن اللّه معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض . ثم قالت ظئري : يا يتيماه ، استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك ، فانكبوا عليّ فضموني إلى صدروهم ، وقبّلوا رأسي وما بين عيني ، وقالوا : حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على اللّه ، لو تعلم ماذا يراد بك من الخير . فوصلوا بي إلى شفير الوادي . فلما بصرت بي أمي ، وهي ظئري ، قالت : يا بني ألا أراك حيا بعد فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها . فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها ، وإن يدي في يد بعضهم ، فجعلت ألتفت إليهم ، وظننت أن القوم يبصرونهم ، فإذا هم لا يبصرونهم . يقول بعض القوم : إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن ، فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه . فقلت : يا هذا ما بي شيء مما تذكر ، إن إرادتي سليمة وفؤادي صحيح ليس بي قلبة . فقال أبي - وهو زوج ظئري - : ألا ترون كلامه كلام صحيح ، إني لأرجو ألا يكون بابني بأس . فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن ، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه فلما قصوا عليه قصتي ، قال : اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم . فسألني فاقتصصت عليه أمري ما بين أوله وآخره . فلما سمع قولي وثب إلي وضمني إلى صدره ، ثم نادى بأعلى صوته : يا للعرب يا للعرب ، اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه ، فو اللات والعزى لئن تركتموه